الرحيل الى مكة .. والمدينة


الرحيل الى مكة .. والمدينة

 

بقلم : أ. د. عماد الدين خليل 

(1)

عندما يجيئك النداء .. وقد استكملت الأسباب ، عليك ان تلبي … وإلا فإن الأمر الإلهي قائم لحظة يشب الإنسان عن الطوق … ولكن العوائق كثيرة ، وهي في معظم الأحيان فوق الاستطاعة وحينذاك يضطر المرء الى الانتظار .

ولقد انتظرت طويلا .. وما بين عام 1966م حيث حزمت الحقائب ونويت الذهاب ، وعام 1998م حيث استجبت للنداء … أكثر من ثلاثين عاما جرت عبرها أكثر من محاولة .. ولكن لم يكتب لأي منها التوفيق .

العوائق كثيرة ، وقطار العمر يجري .. وثمة خوف من ان تصل المحطة الأخيرة دون أن تكون قد لبيت النداء .. ما الذي ستقوله حينذاك لله ورسوله ؟

وهكذا ، وفي اللحظة التي انفتح فيها الطريق عزمت متوكلا على الله ، ونادت كل حجيرة في روحك التي تلاشى فاصل الألم بينها وبين العالم : يا الله ! وقلت في نفسك : هذه رحلة ليست كالرحلات ، تتمحض لها نفسك وروحك ، فإنها الفرصة المتفردة التي منحها الله سبحانه عباده كافة لكي يغتسلوا ويتطهروا ويعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم ، وقلت أيضا : ان الكرم الإلهي لا حدود له ، والسعيد السعيد هو من يعرف كيف يتلقى الهبة ويتخذها نقطة دفع وانطلاق الى الأعلى .. وان المؤمن مشروع دائم للاجتياز والصعود .. وأن هذه … هذه بالذات ، قد تمنحه الكثير في رحلة الطموح الذي يليق بمطالب الإيمان .

كنت قد اعتمرت ثلاث مرات .. مرتين في عام 1980م والثالثة بعدهما بعشر
سنوات .. ولكن الحج تجربة أخرى غير العمرة … أكبر وأثقل وأكثر امتدادا في الزمان والكان والخبرات .. وإذا كانت العمرة لقمة عذبة سائغة المذاق ، فإن الحج هو الوجبة الدسمة بكل ما تنطوي عليه من أطايب وصنوف !!

ومع ذلك فلقد هزتني رؤيتي للكعبة ، أول مرة ، حتى الأعماق ولقد بكيت يومها
كثيرا .. انتابني إحساس من يجد نفسه فجأة قبالة الحلم وهو يتحقق كثيفا ، ملحوظا ، مؤكدا .. يملأ السمع والبصر والوجدان . وكان الطواف سيالا روحيا غسلته دموع العين .. فشف الوجد وأصبح للحظات نقيا كالبلور .. ولم أكن أحس وأنا أدور حول الكعبة بأنني أمشي على الأرض ولكنني كنت أطير .. محمولا على ألف جناح وجناح منسوج من خيوط الأشواق ..

الشيء نفسه يتكرر وأنا أضع خطواتي الأولى في مسجد رسول الله … أعطني قلبا يتسع لأحزان الكون كله .. يا إلهي … قلت في نفسي وأنا أحس بوجع في قلبي لم يستطع سيل الدموع ان يخفف قبضته التي اعتصرته بقوة .. كنت كمن يكافح للانطلاق من أسر الجسد .. وهيهات .. وهناك قبالة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. استجمعت شتاتي وللحظات ، وأنا أخاطبه .. وأجهش بالبكاء .. أحسست أنني أتطهر حتى الأعماق وأتوحد ثانية قبالة كل أحزان العالم .. وقلت في نفسي : هنا بمقدور الإنسان ان يتحقق بالحرية ، فليس ثمة بعدها خوف او حزن .. وقلت أيضا .. ان عطايا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كثيرة .. كثيرة جدا .. وهذه إحدى عطاياه .. ورحت أردد .. والوجد يتقاذفني : عليك أفضل الصلاة والسلام يا رسول الله … عليك أفضل الصلاة والسلام .

(2)

انطلقت الحافلات الثماني في صبيحة يوم غائم .. من أحد الأحياء الغربية لمدينة الموصل … كان الطريق البري طويلا وإجراءات الأمن والتفتيش على الجانبين العراقي والسعودي معقدة صعبة .. ولقد استغرق ذلك ستة أيام بلياليها لاجتياز طريق لا يتجاوز الثلاثة آلاف من الكيلومترات .. اضطررنا عبرها للمبيت في البراري … ومدن الحجاج ..  كأنها محاولة لاختبار قدرتنا على الصبر قبالة ألف نداء ونداء يومض من بعيد .. يدعونا لكي نبل الأشواق الملهوفة لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيت الله الحرام .

لكن ما كان يخفف من هذا كله ، ذلك الانسجام والتوافق بين ركاب الحافلة الثلاثين والتزامهم المدهش بسلوكيات الحج وأخلاقياته ، رغم صدور نغمة نشاز ، بين الحين والحين ، تنفلت من هذا الرجل او ذاك ، لكنها ما تلبث ان تخفت وتغيب لكي لا يتبقى في جل مساحات الطريق الطويل إلا التوافق ، والمحبة ، والعطاء والانسجام .

وكنت أقول لجاري في الحافلة ، الطبيب الذي كان مغرما (بقزقزة اللب) للاستعانة به على طول الطريق :

عجيب أمر هؤلاء الذين يهدرون فرصة العمر بكلمة نابية او سلوك معوج او استجابة ملتوية لإغراءات الاثرة على حساب الآخرين .. ترى ما الذي سيضيفه إليهم الحج سوى (اللقب) الذي يبدو أنهم جاءوا خصيصا للحصول عليه والعودة به الى ديارهم حيث تمارس الخطيئة المزدوجة بحق أنفسهم .. وبحق الآخرين تحت غطاء اللقب الجميل …. هذا فضلا عما هو أدهى وأمر … إعطاء الإشارة للعقارب والحيات من خصوم هذا الدين للطعن في قدرته على تهذيب النفوس !

كنت الحظ الحزن والأسف على ملامح معظم الركاب وهم يصدمون بين الحين والحين بنماذج كهؤلاء .. وكنت أسمعهم يرددون بينهم وبين أنفسهم : لا حول ولا قوة إلا
بالله ، متحصنين بقوة إيمانهم ضد كل اغراءات الشيطان التي تنفخ في الدم والأعصاب نار الرغبة في الرد العنيف الغاضب على هؤلاء الذين لم يقدروا على تجاوز أسر الرفث والفسوق .. والجدال ، وهم ذاهبون لأداء فريضة العمر وفرصته الفريدة ..

قبالة أولئك كان ثمة صنف أخر من الذين محضهم الإيمان للود والمحبة والبر والعطاء .. كانت البسمة الحانية تغمر ملامحهم ، والكلمة الطيبة معلقة على شفاههم .. وكانت أسعد اللحظات هي تلك التي يتقدمون فيها لإسداء خدمة أو معونة .. أو حل مشكلة .. أو تقديم لقمة طيبة لهذا المسافر او ذاك .

لقد تحقق هؤلاء بمطالب الحج قبل ان يحجوا ، أما أولئك فانهم وقعوا .. ابتداء .. على التنازل عن مكاسبهم مع الله ورسوله …. لأنهم على ما يبدو لا يريدونها أو يرغبون
فيها !!

(3)

في عرعر الجاثمة على الحدود العراقية السعودية … التحمت بقوافلنا تلك القوافل القادمة من أعماق آسيا والقوقاز والسهوب الروسية المطلة على سيبريا . جاءوا من هناك محمولين على أجنحة شوق ليس كالأشواق .. لقد اعتقلتهم الشيوعية الملحدة أكثر من سبعين عاما .. ما كان يحج يومها منهم سوى أنفار لا يتجاوزون أصابع اليدين ، وجلهم من جواسيس السلطة وأزلامها .. أما الآن .. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي لم يفلت من قبضة سنن الله في الخلق ونواميسه في التاريخ .. الآن ينطلقون بحرية لتحقيق حلمهم المحبوس في
الوجدان .. عشرات السنين .

ورغم استمرار شراذم الأحزاب الشيوعية في حكم معظم الجمهوريات الإسلامية المنفكة من أسر الاتحاد السوفيتي المنحل … بدعم من روسيا ومباركة أمريكا ، من أجل قطع الطريق على القوى الإسلامية من تسلم مقاليد السلطة والعودة بالبلاد والعباد الى دينها وعقيدتها وتراثها وذاتها … رغم هذا فإن أفواج الحجيج راحت تتدفق من كل مكان في تركستان وكازاخستان وأذربيجان .. وقرغيزيا وأوزبكستان .. وهم يلبسون زيا واحدا من السراويل الفضفاضة والقمصان المنقوشة … والقبعات المزينة بالخيوط الذهبية الصفراء .. وكانت اللحى البيضاء تزين وجوه شيوخهم ، أما الشبان فكانت ملامحهم توحي بالإصرار على الوصول الى الهدف الذي استعصى عليهم ، طويلا ، وهاهم الآن يرحلون للتحقق به ومعانقته .

ومن القوقاز تدفق الداغستانيون والشيشانيون والانكوش ، وكان الشيشانيون بالذات أكثرهم حيوية وسعادة .. لكأنهم وهم يلوحون بأيديهم عبر نوافذ حافلاتهم التي كتب في واجهتها : (الحجاج الشيشان) .. يريدون أن يقولوا للناس جميعا : ها قد جئناك يا رسول الله بعد ان صدقنا معك الوعد ، ورفعنا راية الجهاد قبالة واحدة من أعتى طاغوتيات العالم ..

ها قد جئناك يا رسول الله بعد أن زرعنا هناك في ديارنا عشرات الآلاف من الشهداء وبعد ان قدم رئيس جمهوريتنا المتواضعة نفسه فداء لهذا الدين الذي تمحض له من أجل كسر يد الطاغوت من عدوّ الله …

كانوا يلوّحون بقوة .. ويوزعون ابتساماتهم المطمئنة على جموع الحجيج الذين كانوا يردون عليهم بعبارة تكاد تكون واحدة (بارك الله فيكم وأمدكم بعونه) .

(4)

مررنا بتيماء التي تخترقها مساحات واسعة من الخضرة ذات العطاء السخي .. وتدفقت الذكريات القادمة من عصر الرسالة كزخات المطر ..

بعد فتح خيبر توجه الرسول صلى الله عليه وسلم الى فدك المجاورة فصالحته على مناصفة أراضيها .. أما وادي القرى فقد أعلنت العصيان فحاصرها الرسول صلى الله عليه وسلم .. ودخلها عنوة وترك مزارعها بيد أصحابها اليهود مناصفة عليها أسوة بما فعله مع خيبر وفدك .. ولما بلغت يهود تيماء أنباء الانتصارات الإسلامية صالحوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الجزية وأقاموا في بلدهم .

إنه عليه الصلاة والسلام لا تجرفه إغراءات القوة .. لا يبعده وهج الانتصارات عن مواقع الحق والعدل والسياسة الحكيمة .. فها هو ذا يوظف كفاءات اليهود الزراعية لدعم مالية دولة ناشئة كانت بأمس الحاجة الى المال لمجابهة التحديات .. وما أكثرها ..

لكن اليهود الذين جبلوا على الغدر ما لبثوا ان اغتالوا أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : عبيد الله بن سهل الأنصاري .. ومع ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر (رضي الله عنه) من بعده أبقياهم على ما كان قد اشترط عليهم ، ولا سيما وأنهما لم يكن لهما من العمال ما يكفون عمل الأرض .

لقد كان معظم يهود الجزيرة من الوافدين عليها هروبا من اضطهاد الروم .. وكان يفترض في ذرارايهم تقدير ضيافة العرب لهم حق قدرها … ولكنهم جبلوا على الغدر ، فما وجدوا وسيلة لطعن المسلمين ورسولهم صلى الله عليه وسلم .. إلا استخدموها ، وكان لا بد من العقاب لإعادة الأمور الى نصابها الحق …

واليوم يحلم اليهود بإعادة عقارب الساعة الى الوراء … وهذا وحده يكفي لإدامة جدار الرفض والعداء الذي يحمي الوجود الإسلامي من التآكل والدمار ، ويمنع أعداء الله من المضي لتحقيق أهدافهم التي يعلنها لسان الحال حينا ولسان المقال حينا آخر …. والخرائط المعلقة على جدران الكنيست حينا ثالثا …

وقلت في نفسي … والحافلة تجتاز الشارع الرئيسي العريض الذي يخترق تيماء باتجاه الجنوب : لقد فقدت أمتنا الكثير عبر القرن الأخير بسبب اصطراعها مع حيثيات الجغرافيا والتاريخ .. ترى .. أما ان لها ان تعدل وقفتها قبل ان تخسر ما تبقى تحت مظلة التطبيع الذي هو نقيض كل مقولات الجغرافيا والتاريخ .. فضلا عن العقيدة ؟ !

(5)

وصلنا مشارف مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرا ، وألقينا عصا الترحال في مخيم (الحج) لكي ما نلبث ان ننطلق ، جماعات جماعات ، وقد نفذ الصبر وتأجج عرام الشوق ، لزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإبلاغه التحية المعتقلة في الوجدان سنوات وسنوات .

أنيقا ، مهيبا ، فخما ، مترعا بالنور والضوء والندى ، مضمخا بأريج الروح وعطر المحبة وومضات الإيمان ، محاطا بالجلال والجمال ….

والدخول عليك يا رسول الله يفوق الدخول على الأمراء والملوك والسلاطين والرؤساء والحكام ، رهبة وخشية وخضوعا ، فأنت تملك المحبة التي لا يملكون عشر معشارها …. محبة تعرش في حنايا القلب وتجري في شرايينه ، وتأسر الروح والفؤاد .

الدخول عليك ليس كالدخول على أحد من الناس .. وكيف يكون ذلك وأنت رسول الله المبعوث لإخراج الناس من ضيق الدنيا الى سعتها ، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام ، ومن عبادة العباد الى عبادة الله وحده ؟ !

تحية المسجد تحت القباب المتلالئة ، بين الأعمدة الرخامية المتوجه بالنحاس الأصفر المتلامع ، والى جوار مئات الآلاف من المصلين حيث تحس حتى أعمق نقطة في وجدانك أنك أصبحت جزءا من أمة واحدة .. تطوي جناحها على عشرات الأقوام والجماعات والشعوب والأعراق والألوان ، ولكنها بقوة هذا الدين تظل أمة واحدة ، تنبض بالعشق الواحد وتحمل الوجع الواحد ، وتنوء بالهم الكبير … وحيث تصير الصلاة وعيا جماعيا تذوب فيه الذات وتتلاشى وتنحمي الفواصل بين الإنسان والانسان لكي ما يلبث الجميع ان يصبحوا "حالة" متوحدة من الوجد والمحبة والخضوع والتسامي ، وهم يصعدون دعاءهم الى الله جل في علاه .

وثمة النوافل التي يتمنى المرء ألا تنتهي هاهنا حيث يكون لها مذاق ليس كالمذاقات .. كيف وهي تؤدي في مقام القرب والرضا من الله ورسوله ؟

وما ألبث ان اهرع لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشعر للحظات أني أتخفف من ثقلة الجسد وأنني أغدو نضوا يأكله العشق فلا يكاد يبقى له على شيء !!

تنهمر الدموع بصمت وأنا أقف على بعد خطوات من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبلغه تحيات كل الذين حملوني الأمانة ، هناك في مدينتي ، وقالوا لي وأعينهم تذرف بصمت : أبلغه عنا السلام وقل له : جزاك الله خير ما جزى نبيا عن أمته .

فهل ثمة يا رسول الله أمة أحبت رسولها كما أحبتك أمتك ؟ وهل ثمة أمة سمت أبناءها باسم رسولها الغالي كما سمت أمتك أبناءها ؟ وهل ثمة أمة في الأرض تذكر رسولها وتدعوا له وتصلي عليه ، في كل لحظة وان ، كما تفعل أمتك ؟ وهل ثمة أمة حفظت تفاصيل حياة رسولها بكل دقائقها ومنحنياتها ، ووثقتها بمداد الأقلام ، وبصمتها على صفحات العقول والقلوب كما فعلت أمتك ؟ وهل ثمة نبي تلقى من التقييم والتكريم ما تلقيت أنت يا رسول الله بدءا من كتاب الله الذي أعلن الخطاب الإلهي : )فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا( و)إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( و)إِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ( مرورا بمئات الكتاب والمؤرخين والأدباء والمؤلفين والباحثين على مدى أربعة عشر قرنا ، قالوا فيك ما قالوا حتى بلغ أحدهم ، وهو نصراني أمريكي لا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد ، يدعى (مايكل هارت) ان يبحث جاهدا وفق منظومة من المعايير الصارمة ، عن أعظم مائة شخصية في التاريخ سماها (المائة الأوائل) وأن يمضي خطوة أخرى فيختار أعظمهم على الإطلاق فتكون أنت يا رسول الله ؟!

أقف قبالتك نضوا مترعا بالشوق والحزن والمحبة والإجلال تتقاذفني جموع الزائرين وأنا متسمر في مكاني أذرف الدموع بصمت متذكرا هذا كله .. فتقر عيني ..

إذن فإن أمتك ، على تقصيرها ، لم تجفك يا رسول الله ، فهاهم أولاء مبعوثوها إليك ، يجيئون لزيارتك كل عام ملايين من مشارق الأرض ومغاربها ، لكي يبلغوك السلام ويقولوا لك : أنهم لا يزالون على العهد … فالحمد لله …

أية أمة أخرى في العالم فعلت ما تفعله وستفعله مع ملوكها وزعمائها !!

 

(6)

غادرنا المدينة صباحا وما هي إلا ساعة أو نصف ساعة حتى نزلنا في (بيار علي) لكي نحرم من هناك ونبدأ الحلقة الأولى في مسلسل الحج الذي لن ينتهي إلا عند طواف الوداع …

الصعود المكافح الى فوق ببذل جهد روحي وعقلي وجسدي موصول كما هو شأن الخبرة الإسلامية في شتى مناحي الحياة .. الوفاق والتصالح بين قدرات الإنسان ، حيث في المذاهب والأديان الأخرى تصطرع وتتقاتل وينفي بعضها بعضا فيضيع الإنسان ويفقد وحدته وائتمانه الذاتي المنشود .

منذ اللحظة سيتواصل الرحيل يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة .. ولحظة بعد أخرى .. سفرا وتنقلا وطوافا وسعيا وقياما وقعودا وصلاة وإقامة ودعاء .

منذ اللحظة سنقول للنوم وداعا ، وسنصل الليل بالنهار للتحقق بفرصة أكثر ، تقربا الى الله سبحانه وابتغاء لمرضاته …

فمن يستطيع ، وقد جعل ثواب الصلاة في الحرم مائة ألف ضعف ، ان يضيع الفرصة الذهبية ، وألا يمحض جهده ووقته للمزيد من الصلوت ؟

ومن يستطيع وهو يضع خطواته الأولى لبدء حياة جديدة متطهرة من كل آثام الماضي وذنوبه ، ومحاطة بعفو الله ومغفرته ، ألا ينطلق بقوة من خط البداية تلك ، من أجل أن يتمكن فيما تبقى من العمر المحدود ، من الوصول الى نقطة النهاية والفوز بالجائزة الكبرى ؟ من ؟

(7)

ألقينا عصا الترحال في مكة المكرمة ليلا .. قبل دقائق كانت الحافلات تجتاز بنا الجسور المعلقة على الشوارع الرئيسية … ومن هناك كانت ترى في الدروب المنخفضة المفضية الى الحرم ، مئات الآلاف من الحجيج وهم يتدفقون على الحرم ، أو يعودون منه .. بملابسهم البيضاء .. وسحناتهم المتغايرة ، التي تعلن عن أممية لم تشهد لها البشرية مثيلا .

السكينة والائتمان الذاتي ، والفرح والاطمئنان ، تفيض من النفوس والأرواح التي تاقت على مدى العمر كله لهذه اللحظة التي تغدو الآن أمرا واقعا .. تصير الكعبة ، والصفا والمروة ، وماء زمزم ، والمسجد الحرام .. وعرفات ، وجبل الرحمة ، والمزدلفة ، ومنى ، والعقبات الثلاث .. على مدى أبصارهم وخطواتهم .

هاهم الآن يتوحدون ليس مع أنفسهم فحسب ، ولا مع بعضهم البعض كأمة واحدة متميزة فحسب ، إنما مع الماضي الموغل ، مع اللحظات التاريخية … المؤثرة .. مع ذكريات الإيمان العزيزة الغالية وهو يصارع الكفر والطاغوت .. مع الأنبياء المكافحين عليهم أفضل الصلاة والسلام .. وهم يمهدون الطريق لإزاحة الوثنية والتحقق بعبادة الله وحده .

هاهم الآن ، وقد جاءوا من كل فج عميق ، ينطلقون وراء إبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم .. لكي يهتفوا بشعار (لا إله إلا الله) الذي هو جوهر النبوات وروحها وهدفها .

هاهم الآن يؤكدون بهذه التظاهرة الفريدة ، صدق الاستجابة الربانية لنداء إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت ويدعوان )رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ..

وما أن استقر بنا المقام في السكن الذي أعد لنا على بعد عشرين دقيقة من الحرم ، حتى هرعنا الى هناك ، محمولين على جناح الشوق واللهفة ، لتأدية طواف القدوم والسعي بين الصفا والمروة .

ورغم ان الليل كان قد تجاوز هزيعه الأول فإن وفود الحجيج كانت تتدفق على الحرم من كل الأبواب .. هاهنا ليس ثمة فاصل بين الليل والنهار .. تماما كما أنه ليس ثمة فاصل بين الإنسان والإنسان .. الكل يصير كائنا متوحدا ، مترعا بالعشق واللهفة ، يطوف ويسعى ويجأر بدعائه الملتاع ….

إنه فناء من نوع غريب …. فناء ينطوي في اللحظة الواحدة على الأنا والآخر .. التحقق الذاتي في أقصى وتائره ، والاندماج في الآخرين في أروع صورة .. إنها معادلة لا تكاد تجد فرصتها إلا هنا حيث الجميع ينبضون بالتوق الروحي الواحد .. ويتطلعون معا الى لحظة الغفران والوعد المرتجى ..

كانت النداءات تنطلق على دفقات من هنا وهناك وهي ترفع نداء إبراهيم وإسماعيل ومحمد .. ومئات الأجيال التي قدر لها ان تلبي أمر الله وأن تصل الى هنا : " لبيك اللهم
لبيك … لبيك لا شريك لك لبيك … ان الحمد .. والنعمة .. لك والملك … لا شريك لك " …

فهل ثمة كلمات ، على هذا القدر من الإيجاز ، تستطيع ان تعبر عن مفهوم التوحيد وحاكمية الله سبحانه وقيمومته على مقاليد السماوات والأرض ، وتقدم في الوقت نفسه حمدها وشكرها لله جل في علاه الواحد الأحد … ومالك الملك .. المعطي الذي لا حدود لسخائه ؟ هل ثمة كلمات موجزة كهذه تعبر عن هذا كله .. ؟

طواف مئات الآلاف من القادمين من فجاج الأرض ، حول الكعبة ، يتصادى بإيقاع متفرد يثير الدهشة ، مع طواف الذرات في مساراتها الصغرى ، ودوران السدم والمجرات والكواكب والنجوم في مساراتها الكبرى … الكل يطوف حول المركز الواحد .. مستجيبا للنظام الواحد ، ملبيا أمر الله الواحد الذي لا راد لكلماته ، مسبحا بحمده ، كل بلغته الخاصة التي ترفع خطابها الخفي او المعلن قبالة جلال الله .

لقد أريد للطواف ، كما راح يتكشف لي عبر لحظة التجربة ، ان يضع الإنسان طواعية واختياراً في مسارات الأشياء والموجودات والظواهر الكبرى … هذه تجد نفسها مرغمة على الاستجابة ، والإنسان يسوقه اختياره الى المصير نفسه ، لكي ما يلبث وهو يدور دوراته السبع ، ان يتوحد مع الذرات والمجرات ، وأن يدخل مملكة الله ، متحررا من أيما شيء ، ممحضا للطاعة والإذعان .

وصرخت .. وموجات الحجيج ودفقات الأشواق تتقاذفني … جل جلالك يا مبدع الملكوت يا ذا الكبرياء .. وتقدست أسماؤك … وقلت في نفسي : هاهي لحظة التجربة فكن أنت والكائنات والأشياء حالة متوحدة ، قبالة الله ! فما الذي يعنيه رفع الذراع للحجر الأسود واللهفة على لمسه ، سوى أنه في بدء الأمر ومنتهاه … رمز للأشياء والموجودات التي أريد لها أن تنخرط في مسيرة التوحيد الأبدية ، ونشيده الذي لم يزل يخفق بالدعاء منذ زمن إبراهيم وإسماعيل ؟!

جرعات من ماء زمزم تبل الريق الذي شفه الوجد ، ثم الانطلاق لرحلة السعي بين الصفا والمروة بأشواطها السبعة التي تأخذ هذه المرة صفة الذهاب والإياب .. فكأنها تذكرنا بمعجزة الليل والنهار … والميلاد والموت … والانبعاث والفناء … بالكدح البشري الموصول لإدامة الحياة قبالة تحديات العطش ، والجفاف ، وحتميات التآكل والفناء …

إنها واحدة من أكثر المسيرات الكبرى في العالم مهابة وجلالا .. والهدف هو الله سبحانه .. بعضهم يرفع عقيرته بالدعاء .. وبعضهم الآخر يدمدم مع نفسه ، وفئة ثالثة اختارت التسبيح بصمت … جماعات وأفراداً … يهرعون الى النقطة القصوى .. الصفا حينا والمروة حينا .. مشاة ومهرولين …. يقفون لحظات عند البوابة التي تطلّ على الكعبة وهم يرتلون )إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ( ثم ما يلبثوا ان يواصلوا المسير ..

وسعيد من يجعل نهاية سعيه موصولة بالصلاة التي يزيدها خشوعا وخفقانا روحيا صوت الإمام العذب المؤثر وهو يتماوج بالحزن الإيماني العميق في جنبات الليل بكلمات
الله …

 

 

(8)

في اليوم الذي سبق الذهاب الى عرفة ، انطلقت بنا الحافلات الصغيرة مساء ، عبر جولة في أطراف مكة لإلقاء نظرة على مواطن المناسك وذكريات التاريخ .. هاهو ذا جبل ثور الذي لجأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق (رضي الله عنه) فرارا من ملاحقة المشركين .. يتسلل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في ضحى أحد الأيام ، على غير عادته في التردد على داره صباحا أو مساء .. خطوة من خطوات الإيهام والتدبير ضد أولئك الذي يريدون أن يمكروا به .. يدهش أهل الدار لمجيء الرسول في وقت لم يعتادوه .. لكنه لا يلتفت الى دهشتهم بل يتجه الى الصدّيق فورا ويطلب منه أن يخرج ابنته من المكان ، فيطمئنه أبو بكر بأنه ليس ثمة ما يخشاه .. ويتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله أذن لي في الخروج والهجرة" .. فيردّ عليه الصديق "الصحبة يا رسول الله ؟" فيجيبه : "الصحبة" وتقول عائشة (رضي الله عنها) : فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من
الفرح ، حتى رأيت أبي يبكي يومئذ …

وهاهو ذا جبل النور ، وغار حراء الذي تلقى فيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الكلمة الأولى من السفر القرآني العظيم الذي سيقدر له ان يعيد صياغة الدنيا .. وأن يظل الكتاب الأوحد الذي لا تتبدل كلماته … ولا تنقضي عجائبه .

انتابتني قشعريرة هادئة انسربت رجفتها في عروقي وأنا أتذكر لحظات اللقاء الأولى ، وأتذكر معها جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تسح عرقا في اليوم البارد كلما جاءه الوحي الأمين ينقل إليه طرفا من خبر السماء …

"فجاءني جبريل" يقول عليه الصلاة والسلام عن أول لقاء ، وأنا نائم ، بخط من ديباج فيه كتاب فقال : أقرا ، قلت ما أنا بقارئ ، فغتني به (أي عصرني عصرا شديدا) حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال : أقرا ، قلت : ما أنا بقارئ ، فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال : أقرا ، فقلت : ماذا أقرأ ؟ فقال : )ِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( فقرأتها .. فانصرف عني .. وخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل ..

وانسربت بنا الحافلات الى أماكن شتى مما سيقدر لنا ان نمارس فيها مناسك الحج … ونعذر أنفسنا أمام الله .. وقلت في نفسي : ان على الإنسان ان يلبي نداء الله … وما عدا ذلك فهو من فضل الله …

ثمة أناس يكتفون بالحد الأدنى … بالوقوف عند السفوح الدنيا .. بينما هنالك من يواصل الصعود الى أعلى حتى تتقطع أنفاسه … فليس ثمة بين الإنسان والسماوات العليا حدود يقف عندها أو إشارات تقول له : هاهي ذي نهاية الطريق …

(9)

يوم عرفة يوم القمة بكل المعايير الروحية والمادية على السواء .. فليس عجباً ان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم .. (الحج عرفة) وليس عجيبا ان يقف ملايين الحجيج قبالة جبل الرحمة ، وفي شعابه ، وهم يجأرون بالدعاء الى الله ..

إن الحج ، قلت لأخ يقف الى جواري ، هو شبكة من الترميزات التي قد تسمح للعقل بأن يخترقها ويكشف عن سرها المكنون حينا ، وقد توصد أمامه الأبواب أحيانا ، فيعجز عن إيجاد اللغة التي تمكنه من العبور .. وفي كل الأحوال فإن جوهر العبادة الإسلامية هو الاستجابة لأمر الله ، والتوجه إليه .. لكن يبقى (جبل الرحمة) بهذه التسمية ذات الدلالة الواضحة ، عنوانا مكشوفا على الحلقة الأكثر نبضا وخفقانا في مناسك الحج … فالمسلم هاهنا يواصل رحلة الصعود الى الأعلى راجيا رحمة الله .. فما ثمة منفذ في الروح البشري يصل بين الأرض والسماء إلا وأزيحت ستائره لكي ينفتح على مصراعيه قبالة الله سبحانه ، لعله يتلقى الرحمة المرتجاة …. وملايين الأصوات تجأر بالدعاء .. "لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .. ان الحمد والنعمة لك والملك .. لا شريك لك" .

وقفنا خلف الإمام عقب صلاتي الظهر والعصر اللتين قصرتا وجمعتا جمع التقديم .. وراح الرجل يدعو ونحن نردّد دعاءه ونؤمن عليه .

لا زلت أذكر لحظات التوتر القصوى .. لم يكن مجرد دعاء ولكنه مزيج من التضرع والتوسل والاعتراف والشكوى .. سيال من الوجع الروحي والحزن الكبير الذي يسعى لأن يكتسح في طريقه كل الصغائر والضلالات والهموم الدنيا ، وينقلنا الى الفضاء الأكثر
اتساعا …. يضعنا قبالة سماء الله الكبيرة حيث يشف الوجد ولا يتبقى ثمة إلا الإحساس بالتضاؤل والتلاشي إزاء جلال الله …

كانت العبرات تخنق صوت الإمام بين لحظة وأخرى … وكنا نحن من ورائه
نصرخ … يا الله … ونجهش بالبكاء … ويعيد الرجل رفع توسلاته ، ونرد عليه عقب كل دعاء : يا الله !!

ما من مرة في حياتي ذرفت فيها هذا القدر من الدموع كما ذرفتها يوم ذاك .. ما من مرة أحسست فيها بلذة السباحة في نهر العين ، ووجع الفؤاد ، كما أحسست يوم ذاك .. ما من مرة تطهرت فيها حتى أخر حجيرة في كياني كما تطهرت يوم ذاك …

والتفت الى إخواني الذي يقفون الى جواري فإذا بهم يسحون دمعا .. تذكرت وأنا لا أكاد أتبينهم ، لحظات التجرد لله عبر صلوات الأجداد الكبار الذين حدثتنا عنهم كتب
التراجم .. بعضهم كان يغادر السجود وقد ابتل مكانه بالدموع … بعضهم كانت تنتابه رجفة تجعل الجسد يهتز كسعف النخيل فلا يقدر على شكمه …

وبعضهم الآخر كان يفهق ملتاعا فلا يستطيع الركوع !!

اللحظة يتأكد لي ان هذا الذي قيل عن الأجداد ليس مبالغة .. وإنما هو حقيقة
مؤكدة … فها هي جموع الحجيج تذرف سيالا من الدموع وهي ترتجف ، وعندما كان أحدنا يلتفت الى الآخر لكي يحتضنه ويقبله مهنئا إياه على الحج ، ما كان يتبين من ملامحمه شيئا .. لقد احمرت حدقات العيون ، وانتابت الرجفة كل الذين كانوا يصلون وراء الإمام …

(10)

وعند الغروب بدأت المسيرة الكبرى .. الإفاضة الى مزدلفة في الطريق الى منى استعدادا لرمي الجمار عبر الأيام الثلاثة التالية …

ثلاثة ملايين ينفرون دفعة واحدة في طريقهم الى هدف واحد .. كانت آلاف الحافلات تتهادى على الطريق في خط طويل لا يكاد يرى أوله ولا آخره ، وكانت العتمة تزحف من الأفق الشرقي شيئا فشيئا .. وأحسست وأنا أجد نفسي واحدا من الملايين التي تزحف ببطء الى هدفها تنفيذاً لأمر الله .. أنني أتوحد معهم … مع هؤلاء القادمين من مشارق الأرض ومغاربها .. مع المغربي والمصري والسوداني والسوري والفلسطيني واليمني والخليجي … مع التركي والإيراني والأفغاني والباكستاني والماليزي .. والاندونيسي .. مع القادمين من أعماق القارة السمراء ومن سهوب آسيا الشمالية وجبال القوقاز … مع الألمان والإنكليز والفرنسيين الذين اختاروا الانتماء الى هذا الدين .. وجاءوا من ديارهم النائية لكي يشاركوا في مسيرة الحج الكبرى …

وفجأة تذكرت ما كنت قد قرأته قبل أربعين سنة في كتاب (الطريق الى مكة) للمفكر النمساوي المسلم (ليوبولد فايس : محمد أسد) : "إني أراهم يمشون ويركبون ويتجمعون .. كل تلك الملايين من الحجاج بثيابهم البيضاء عبر ألف وثلاثمائة عام …. إني أسمع أصوات أيامهم وأجنحة الإيمان الذي جذبهم معا الى هذه الأرض من الصخور والرمال … فينبض الموت الظاهر مرة أخرى ، بدفء الحياة فوق قوس القرون ، ويجذبني صفيق الجناح القوي الى مداره ، ويجذب ما تقضى من أيامي الى الحاضر … ونتابع ركوبنا … هاجمين طائرين فوق السهل .. ويخيل الى أننا طائرون مع الريح ، منغمسون في سعادة لا تعرف نهاية ولا
حدودا .. تزعق الريح في أذني بنشيد النصر (إنك لن تكون غريبا بعد الآن ، أبدا أبدا) إن العالم أمامنا لفسيح ، وفي قلوبنا شرارة من النار التي اشتعلت في قلوب صحابة النبي .. إنهم يعرفون .. إخواني عن يميني وإخواني عن يساري .. إنهم قد قصروا عما كان ينتظر
منهم … وأن قلوبهم قد تضاءلت عبر القرون ، ومع ذلك فإن وعد الله الحق لم ينتزع منهم .. منا … لقد سما هؤلاء الرجال فوق حيواتهم الصغيرة … وها ان أيمانهم يدفعهم الآن دفعا الى الأمام ، كأنهم بنيان واحد ، نحو آفاق غير محدودة .. والحنين لم يعد بحاجة الى ان يبقى تافها مكتوما فلقد وجد يقظته ، وجد وعد الله الحق متمما .. في هذا الإتمام يخطو الإنسان خطوات واسعة بكل ما وهبه الله من بهاء وسناء : خطوه بهجة ، ومعرفته حرية ، وعالمه دائرة دونما حدود …. وأستدير في شدادي فأرى خلفي الألوف من الفرسان بثيابهم البيضاء .. ووراءهم الجسر الذي جئت عليه .. لقد خلفت الآن آخره ورائي ، في حين ضاع أوله في ضباب المسافات والأبعاد .."

وقلت في نفسي وأنا ألقى ببصري الى خط الأفق البعيد متابعا قوافل الحجيج التي تنساب بهدوء تحت ستار الليل : ثمة فارق يصعب قياسه بين ان تقرأ عن التجربة وان
تعيشها !!

ورغم ان عبارات (محمد أسد) أدهشتني يومها ، حتى كدت لكثرة قراءتها أن أحفظها عن ظهر قلب ، فإنني اللحظة أشد دهشة وانبهارا ..

فها أنا ذا أعيش التجربة نفسها .. واحدا من ثلاثة ملايين حاج جاءوا من كل مكان لكي ينتظموا في المسيرة الكبرى ، ويتوحدوا .. رغم تفاوت البيئات والانتماءات والأعراق .. استجابة لنداء الله ودعوة إبراهيم أبي الأنبياء ….